|
غرب ما قرأت مؤخرا مقولة أن إيران لا
تشكل تهديدا على أمن المنطقة! المشكلة في هذه المقولة منهجية بالدرجة
الأولى لأنها اعتمدت على استطلاع رأي على عينة من الناس ولم تستند على
تحليل استراتيجي علمي لمستويات التهديد في المنطقة التي تعاني من انكشاف
استراتيجي واضح. ومن ثم، لا يمكن وضع تصورات أمنية للأردن بناء على رأي عام
عاطفي انفعالي أحيانا وبسيط ولا يستطيع فهم تعقيدات المشهد، وبخاصة إذا ما
وجه إليه سؤال بسيط، كما شاهدت، يضمن إجابة معينة.
فلو سألنا أي مواطن عن رأيه بالدول التي تشكل تهديدا للأمن الإقليمي
وأعطيناه خيارات، لقال أن إسرائيل والولايات المتحدة هما مصدرا التهديد.
وهذا صحيح استراتيجيا، لكن هل يعنى هذا أن المستطلَع يستوعب مستويات
التهديد، حتى يعطي إجابة مختلفة؟ اشك في ذلك، وهل يعني ذلك أن إيران ليست
مصدرا للتهديد بشكل موضوعي؟!
قبل التوجه إلى الرأي العام في المنطقة لمعرفة انطباعات الشارع عن قضايا
متعلقة بالأمن القومي، أنصح بربط هذا الموضوع بحقل مهم في السياسة
والاستراتيجيا اسمه الدراسات الأمنية (وهنا أنصح بالاطلاع على باري بوزان؛
وهو صاحب أهم كتاب في الدراسات الأمنية) للتعرف على مستويات للتحليل
ومستويات للتهديد.
لغة الأرقام الخالية من إدراك استراتيجي لمستويات التهديد هي مضللة. فمثلا
كيف يتم تعريف التهديد؟ هل المقصود هنا التهديد العسكري؟ وإذا كان كذلك ما
هي حدة هذا التهديد؟ المعروف أن مستوى التهديد يزداد ويخف حسب التغير في
موازين القوى وبحسب طبيعة التحالفات القائمة. ثم إذا كان التهديد يتعلق
بالأمن، فأي أمن؟ الأمن بمفهومه التقليدي والكلاسيكي الذي كان سائدا أثناء
الحرب الباردة أم الأمن الشامل بمعنى إدخال عناصر غير عسكرية في مفهوم
الأمن؟ المشكلة تزداد عندما يفشل واضع الأسئلة في فهم ما يقوم به وهنا تكمن
الخطورة.
لو سألنا المواطنين، في الأردن، إذا ما كان التشيّع يشكل تهديدا على هوية
وأمن المجتمع لحصلنا على نتائج مختلفة عن تلك التي تقول أن إيران لا تشكل
تهديدا. والراهن أن الكثير من العرب لا يرى قدرة إيران على إلحاق الأذى
بأمنها، وهنا الحاجة إلى استراتيجيين للتصدي للمسألة ودراسة أبعادها وليس
لاستطلاع رأي فقير معرفيا ومنهجيا. فكون إيران دولة مسلمة يسهل عليها
اختراق المجتمعات العربية وبخاصة عندما تتم المقارنة مع إسرائيل والولايات
المتحدة. وأكثر من ذلك تستطيع إيران استخدام ورقة فلسطين لخلق قلاقل في دول
عربية أخرى.
وعندما حذر الأردن الرسمي من السياسة الإيرانية في الإقليم لم يقم بذلك إلا
نتيجة لفهم عميق لمستويات التهديد ودراسة سلوك إيران في الإقليم وتبنيها
إستراتيجية مضادة. وكذلك استخدام إيران ودعمها لفصائل تتخذ مواقف تصطدم مع
مساعي الأردن لترسيخ الأمن الإقليمي. وإذا كان الرأي العام بالفعل لا يرى
في إيران مصدرا للتهديد فهذا بعينه يجب أن يقلق الاستراتيجيين الأردنيين،
لأنه يعني أن لإيران قدرة اختراق عالية هي بحد ذاتها مصدرا للتهديد.
ثم لماذا يعتبر البعض أن من يعتقد أن إيران تشكل مصدرا آخرا للتهديد يعكس
موقف اليمين المتطرف الأميركي أو الإسرائيلي. لماذا هذه الثنائية والتبسيط:
إما إيران أو إسرائيل وأميركا؟! بالمناسبة الجمهوريون والديمقراطيون على
السواء يرون في إيران تهديدا، وليس فقط اليمين المتطرف. والإصرار على أن
اليمين المتطرف هو وحده من يعتبر ذلك إنما نتاج عن عجز استيعاب التعقيد في
المواقف السياسية لمختلف اللاعبين في أميركا.
هناك من يستعمل إيران لتضخيم الخطر والحصول على مكاسب انتخابية (جون ماكين)،
لكن هذا لا يعني أن باراك أوباما، على سبيل المثال، سيفتح ذراعية للمشروع
النووي الإيراني أو التسامح مع سلوكها في الإقليم. إلا إذا كنا نتكلم عن
بعض اليسار الهامشي (أمثال نعوم تشومسكي).
الأمن الوطني الأردني وتحديد مصادر التهديد يجب أن يترك للأجهزة الرسمية
القادرة على فهم المشهد الإقليمي بكليته أمّا موقف الفئات الاجتماعية
المختلفة فتعكس فقط مؤشرات الرأي العام ولا تمثل أية قراءة استراتيجية
معتبرة. أمّا مقولة أن إسرائيل مصدر تهديد للأردن فهي صحيحة، ولا يختلف
عليها اثنان في الأردن. لكن الدعوة لإخراج إيران من الحسابات الأمنية
بمثابة تضليل ونتاج عدم فهم بديهيات الدراسات الإستراتيجية.
|